محمد بن جرير الطبري

21

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ قال : القرية بيت المقدس ، مر عليها عزير وقد خربها بختنصر . وقال آخرون : بل هي القرية التي كان الله أهلك فيها الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ، فقال لهم الله موتوا . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قول الله تعالى ذكره : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ قال : قرية كان نزل بها الطاعون ، ثم اقتص قصتهم التي ذكرناها في موضعها عنه ، إلى أن بلغ فقال لهم الله موتوا في المكان الذي ذهبوا يبتغون فيه الحياة ، فماتوا ثم أحياهم الله إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ قال : ومر بها رجل وهي عظام تلوح ، فوقف ينظر ، فقال أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها ، فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ إلى قوله لَمْ يَتَسَنَّهْ . والصواب من القول في ذلك كالقول في اسم القائل : أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها سواء لا يختلفان . القول في تأويل قوله تعالى : وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها . يعني تعالى ذكره بقوله : وَهِيَ خاوِيَةٌ وهي خالية من أهلها وسكانها ، يقال من ذلك : خوت الدار تخوي خواء وخويا ، وقد يقال للقرية : خويت ، والأَول أعرب وأفصح . وأما في المرأة إذا كانت نفساء فإنه يقال : خويت تخوى خوى منقوصا ، وقد يقال فيها : خوت تخوي ، كما يقال في الدار ، وكذلك خوي الجوف يخوى خواء شديدا ، ولو قيل في الجوف ما قيل في الدار وفي الدار ما قيل في الجوف كان صوابا ، غير أن الفصيح ما ذكرت . وأما العروش : فإنها الأَبنية والبيوت ، واحدها عرش ، وجمع قليله أعرش ، وكل بناء فإنه عرش ، ويقال : عرش فلان دارا يعرش ويعرش ، وعرش تعريشا ، ومنه قول الله تعالى ذكره : وَما كانُوا يَعْرِشُونَ يعني يبنون ، ومنه قيل عريش مكة ، يعني به : خيامها وأبنيتها . وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، قال ، قال ابن جريج ، قال ابن عباس : خاوية : خراب . قال ابن جريج : بلغنا أن عزيرا خرج فوقف على بيت المقدس وقد خربه بختنصر ، فوقف فقال : أبعد ما كان لك من القدس والمقاتلة والمال ما كان فحزن . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ ، قال : ثنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قال : هي خراب . حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، قال : مر عليها عزير وقد خربها بختنصر . حدثت موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها يقول : ساقطة على سقفها . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ومعنى ذلك فيما ذكرت : أن قائله لما مر ببيت المقدس ، أو بالموضع الذي ذكر الله أنه مر به خرابا بعد ما عهده عامرا ، قال : أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها ؟ فقال بعضهم : كان قيله ما قال من ذلك شكا في قدرة الله على إحيائه . فأراه الله قدرته على ذلك يضربه المثل له في نفسه ، ثم أراه الموضع الذي أنكر قدرته على عمارته وإحيائه ، أحيا ما رآه قبل خرابه ، وأعمر ما كان قبل خرابه . وذلك أن قائل ذلك كان فيما ذكر لنا عهده عامرا بأهله وسكانه ، ثم رآه خاويا على عروشه ، قد باد أهله وشتتهم القتل والسباء ، فلم يبق منهم بذلك المكان أحد ، وخربت منازلهم ودورهم ، فلم يبق إلا الأَثر . فلما رآه كذلك بعد للحال التي عهده عليها ، قال : على أي وجه يحيي هذه الله بعد خرابها فيعمرها استنكارا فيما قاله بعض أهل التأويل . فأراه كيفية إحيائه ذلك بما ضربه له في نفسه . وفيما كان من شرابه وطعامه ، ثم عرفه قدرته على ذلك وعلى غيره بإظهاره إحياء ما كان عجيبا عنده في قدرة الله إحياؤه لرأي عينه حتى أبصره ببصره ، فلما رأى ذلك قال : أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . وكان سبب قيله ذلك كالذي : حدثنا ابن حميد ، قال :